محمد غازي عرابي
1144
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الإنسان بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) [ الإنسان : 1 ، 2 ] الإنسان كجنس لم يكن ثم كان ، والذين يقولون إن المخلوقات هي التي طورت نفسها كي تكون في الهيئة التي ترى يفترضون أن الإرادة الجزئية قادرة على أن تحقق معجزة التطور ، ويتساءل الإنسان ولماذا لم يستطع الإنسان ، الذي فطر على حب الطيران ، أن يجعل له جناحين ينبتان في ظهره يمكنانه من الطيران كما الطيور ، ولماذا لجأ إلى الوسائل المصطنعة والبديلة كاختراع المنطاد والطائرة والصاروخ ليتمكن من الطيران ؟ وهذا التطور الذي درسته فلاسفة وعلماء مثل داروين ولا مارك كيف كان ؟ وكيف استطاع الإنسان القرد مثلا أن يصير الإنسان الحالي ، وكيف طور دماغه القردي الذي أنتج فكرا ووعيا قرديا حتى صار له دماغه البشرى الذي أنتج فكرا ووعيا بشريا ؟ فاللّه سبحانه هو الذي جعل القرد قردا والإنسان إنسانا ، وحتى لو صحت نظرية التطور والارتقاء ، ونقول لو صحت ، لكان الخالق هو الذي أحدث هذا التطور ، وما دام هو مسبب الأسباب ، وله العقل الكلي المحرك للأسباب . واللّه سبحانه جعل الإنسان بصيرا ، وكنا تحدثنا عن أسماء الصفات مثل كونه سبحانه سميعا بصيرا ، وقال الناقد بلاثيوس في ابن عربي إن الحق في رأي ابن عربي : يسمع ويبصر من خلال ملكات الإنسان وحواسه . فالإنسان على هذا واسطة الحق وآلاته ، ولهذا قيل إن أسماء الصفات مستفيدة علما ، وهذا بحث عالجناه سابقا في مجال العلم المطلق والمقيد ، فعن طريق التفصيل ، والتجزيء تمكن الحق من أن يجعل الكليات ظاهرة في جزئيات ، وما دام الإنسان كليا تشخص فدوره إذن إظهار الكلي المطلق والعلم المجمل ، وذلك عن طريق استخدام آلاته وقواه نفسها ، وهي في جوهرها إلهية ، لاستخراج الكليات من صور خارجية عيانية ، ولهذا قال ابن عربي : فنحن لا وهو ذو ظهور * فالعين منه والنعت منا وقال : فلو لاه ولولانا * لما كان الذي كانا